مصطفى لبيب عبد الغني
39
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
فالعلم الصحيح هو ما يقوم على أساس من البرهنة وقوانين الاستدلال ، وليس على مجرد المعرفة اللفظية ، والعالم المحقق هو من يجيد الفهم والتدبير ولا يكتفى ببلاغة التعبير ، والرازي يعيب موقف « من يحسبون لجهلهم ورعونتهم أن العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة ، ولا يعلمون أن الحكماء لا يعدون ولا واحدا من هذه حكمة ولا الحاذق بها حكيما ، بل الحكيم عندهم من عرف شروط البرهان وقوانينه واستدرك وبلغ من العلم الرياضى والطبيعي والعلم الإلهى مقدار ما في وسع الإنسان بلوغه . . . ولسنا نقصد الاستجهال والاستنقاص لجميع من عنى بالنحو والعربية واشتغل بهما وأخذ منهما ، فإن فيهم من قد جمع له إلى ذلك حظا وافرا من العلوم ، بل للجهال من هؤلاء الذين لا يرون أن علما موجودا سواهما ولا أن أحدا مستحق أن يسمى عالما إلا بهما » . « 1 » ويظهر الرازي - باتجاهه العقلانى - نصيرا فذّا لفكرة تقدم المعرفة العلمية الموصول أبدا ، ولا نعدو الصواب إن قلنا إن فكرة التقدم هذه هي حجر الزاوية في نظريته عن « العلم » .
--> ( 1 ) الرازي : « الطب الروحاني » ص 43 - 44 . وقارن في ذلك : الفارابي : « إحصاء العلوم » الفصل الثاني في علم المنطق ، ص 67 - 91 بتحقيق وتعليق عثمان أمين ، القاهرة 1968 . وأيضا : أبو حيان التوحيدي : « المقابسات » ص 71 ، بتحقيق حسن السندوبي ، المكتبة التجارية ، القاهرة 1929 ، و « الإمتاع والمؤانسة » ج 1 ص 107 - 117 بتحقيق أحمد أمين وأحمد الزين ، القاهرة 1953 . وقريب من هذا ما يذكره « التوحيدي » أيضا في قوله عن المنطق : « . . . وليس فيه كفر ولا جهل ، ولا دين ولا مذهب ولا نحاة ولا مقالة . وإنما هو تصفية المعاني وتنقية الألفاظ . فمن غمره الشك في هذا القول واعتراه الريب عند هذا الوصف ، فليتقدم ناظرا فيه ، متصفحا لأوائله وثوانيه . فإنه يجد بيان هذا القول حاضرا والشاهد فيه متظاهرا وقد عابه ناس ، ولكن كانوا عامة أو أشباه عامة . فأما الخاصة وأشباه الخاصة ، فلا يعيبونه ولا يجيزون عيبه ، والصور الماثلة للعين ، والأحوال الجارية في العالم ، والمعاني القائمة بالعقل ، والأمور الثابتة في النفس ، هي كلها لا تخرج عن هذا الاعتبار المنطوى على الإضافات والتخصيصيات والتعميمات . وهذا لأن العالم منوط بعضه ببعض ومقيس بعضه على بعض » ( ص 291 من رسالة العلوم ) . وانظر أيضا : بحثا لجولد تسيهر بعنوان : موقف أهل السنة إزاء علوم الأوائل » - صفحات 146 - 147 ، 154 - 155 ( من الترجمة العربية ) . وأيضا : الغزالي : « المستصفى في علم الأصول » - المقدمة .